انتخابات ليبيريا الأخيرة.. خطوة جديدة على طريق الديمقراطية

خلت العملية الانتخابية البرلمانية والرئاسية، التي أُجريت بين أكتوبر ونوفمبر من العام 2023 في ليبيريا، مما يشوب الانتخابات الإفريقية بصفة عامة، من خروقات ديمقراطية جسيمة. وبهذا تكون الديمقراطية الليبيرية الناشئة، قد قطعت شوطاً لا بأس به على الطريق الصحيح. وتتسم التجربة الديمقراطية الليبيرية بقدر كبير من الخصوصية، كونها نشأت في أعقاب حربين أهليتين متعاقبتين، كادتا أن تقضيا على أقدم جمهورية في إفريقيا.

ففي نهاية المرحلة الانتقالية، التي أعقبت الحرب الأهلية الليبيرية الثانية، أجريت انتخابات رئاسية وتشريعية عام 2005م، وصفها جُلّ المراقبين بالحرة والنزيهة، وأسفرت عن فوز “إلين سيرليف”، لتكون أول رئيسة منتخبة ديمقراطيًّا، بعد الصراع الطويل الدامي في ليبيريا، وأول امرأة تترأس دولة في إفريقيا، ثم أُعيد انتخابها عام 2011م، وبعد انتهاء ولايتيها الرئاسيتين طبقًا للدستور، انتقلت السلطة سلميًّا إلى أيقونة كرة القدم الإفريقية “جورج واياه”، بعد فوزه في انتخابات عام 2017م، فيما سعى “واياه” في انتخابات العام 2023م، إلى ولاية رئاسية ثانية، وعلى الرغم من فوز حزبه “المؤتمر من أجل التغيير الديمقراطي” على رأس ائتلاف حزبي “التحالف من أجل التغيير الديمقراطي” بأكثرية المقاعد في البرلمان بمجلسيه، إلا أن “واياه” خسر الرئاسة.

ومن خلال رصد وتحليل العمليات الانتخابية، التي جرت منذ انتهاء الصراع، وبخاصة الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة لعام 2023م، تسعى هذه الورقة إلى تقييم التجربة الديمقراطية الليبيرية، واستشراف مستقبلها عبر المحاور التالية:

أولاً: خلفية موجزة عن الصراع في ليبيريا
على الرغم من أن سكانها كانوا جميعًا من ذوي البشرة السمراء، إلا أن تمييزًا عنصريًّا بين الليبيريين الوافدين والسكان الأصليين، ساد المجتمع الليبيري؛ كنتيجة طبيعية لسيطرة “الأفرو أمريكان” على الثروة والسلطة، ما خلق حالة مستدامة من التوتر السياسي، حتي قام مجموعة من العسكريين من السكان الأصليين، بقيادة الرقيب “صمويل دو”، بانقلاب عسكري عام 1980م، أطاحوا فيه بالرئيس “ويليام تولبرت”، وقتلوه وحاكموا حكومته، وأعدموا ثلاثة عشر وزيرًا ومسؤولًا.

حَكَمَ “دو” البلاد على رأس مجلس عسكري، وتم انتخابه رئيسًا في ظل دستور جديد صدر عام 1986م، وخلال مدّة حكمه استبد “دو” بالسلطة، وعزل رئيس وزرائه “تشارلز تايلور” Charles Taylor، ففر “تايلور” إلى دول الجوار، ثم عاد عام 1989م، وشكّل “الجبهة الوطنية الليبيرية”، التي تمردت على “دو”، وأطاحت بحكومته، ثم أعدمته، فانطلقت شرارة الحرب الأهلية الليبيرية الأولى، واستمرت حتى انتهت باتفاق سلام عام 1996م، وانتُخِب “تايلور رئيسًا، وفي عام 1999م اشتعلت الأوضاع مرة أخرى، وبدأت الحرب الأهلية الثانية، والتي استمرت حتى تم توقيع اتفاق مصالحة بين الأطراف المتنازعة في عام 2003م، تضمّن تشكيل حكومة انتقالية إلى حين إجراء انتخابات ديمقراطية.

وخلال هاتين الحربين الأهليتين، انهارت مقوّمات الدولة في ليبيريا تمامًا، فقد تدهورت كافة قطاعات الاقتصاد الليبيري بالكلية، وقُتل مئات الآلاف من الليبيريين، ولجأ أكثر من نصف السكان هربًا إلى دول الجوار، ونزح ما تبقَّى من السكان داخل الدولة؛ هربًا من بؤر القتال التي امتدّت إلى سائر الأقاليم.

ثانيًا: انتخابات ديمقراطية وإرساء قواعد الممارسة الديمقراطية
بحسب دستور البلاد، يُعدّ نظام الحكم في ليبيريا نظامًا رئاسيًّا، وقد تكوّن مجلس النواب في أول انتخابات بعد الحرب عام 2005م، من 64 عضوًا في دوائر ذات عضو واحد، تنقسم إليها المقاطعات بحسب عدد السكان، وبدءًا من انتخابات عام 2011م، تم زيادة النواب إلى 73 عضوًا، يتم انتخابهم باستخدام نمط النظام الانتخابي الفائز الأول التعددي، ويخدمون لمدة ست سنوات، ولا يوجد حد أقصى لعدد مرات انتخاب المرشح.

ويتكون مجلس الشيوخ من (30) عضواً، حيث يتم تمثيل كل مقاطعة من مقاطعات الدولة الـ(15) بعضوين، وقد تم انتخابهم جميعًا، في أول انتخابات بعد الحرب عام 2005م، باستخدام نمط النظام الانتخابي الكتلة الحزبية التعددي؛ ليخدم الفائز الأول من كل دائرة، لمدة (9) سنوات تنتهي في عام 2014م، والفائز الثاني لمدة (6) سنوات تنتهي في عام 2011م، وبدءًا من هذين التاريخين يتم إحلال (15) عضوًا جددًا، ليخدم كل منهم لمدة (9) سنوات، بدلًا ممن انتهت ولايتهم، وذلك باستخدام نمط النظام الانتخابي الفائز الأول التعددي، ولا يوجد حد أقصى لعدد مرات انتخاب المرشح.

ويشغل رئيس الجمهورية منصب رئاسة الدولة، ورئاسة مجلس الوزراء، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتم انتخابه وفقًا لنظام الجولتين التعددي، ففي الجولة الأولى إن لم يحقق أحد المرشحين الأغلبية المطلقة (50%+1)، تُجرَى جولة ثانية بين أعلى مرشحين حصولًا على أصوات صحيحة، ليفوز أكثرهم أصواتًا، ويخدم رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات، ولا يجوز له أن يترشح لأكثر من ولايتين متتاليتين.

وفيما يلي رصد وتحليل نتائج الانتخابات، التي جرت منذ انتهاء الصراع المسلح في ليبيريا، بدءًا من عام 2005م وحتى عام 2023:

1- انتخابات عام 2005
أُجريت أول انتخابات بعد الصراع الليبيري الدامي عام 2005م، وتنافس فيها (20) حزبًا سياسيًّا، بالإضافة إلى ائتلاف حزبي واحد، ورشح هؤلاء (21) مرشحًا رئاسيًّا، بالإضافة إلى مرشّح واحد مستقل، وكان أبرز المرشحين آنذاك، “جورج واياه” و”إلين سيرليف”، وفازت “سيرليف” بالرئاسة، وحققت هذه الانتخابات نسبة مشاركة مرتفعة وصلت إلى 76,49%.

وكانت النتائج في مجلس النواب، فوز حزب “واياه” “المؤتمر من أجل التغيير الديمقراطي”، بالمركز الأول بأكثرية (15) مقعدًا، تلاه “حزب الحرية” بـ(9) مقاعد، ثم ائتلاف “التحالف من أجل تحويل ليبيريا” بـ(8) مقاعد، ثم حزب “إلين سيرليف” “حزب الوحدة” بـ(8) مقاعد أيضًا، ثم توزع الـ(24) مقعدًا المتبقين، على (7) أحزاب أخرى و(7) مستقلين، ما بين (5) مقاعد إلى (1) مقعد.

أما في مجلس الشيوخ، فقد فاز ائتلاف “التحالف من أجل تحويل ليبيريا”، بالمركز الأول بأكثرية (7) مقاعد، تلاه “حزب الوحدة” بـ(4) مقاعد، ثم تساوى أربعة أحزاب، من بينهم حزب “واياه” “المؤتمر من أجل التغيير الديمقراطي”؛ حيث حصل كل حزب على (3) مقاعد، ثم حزب بمقعدين، وحزبين بمقعد واحد لكل منهما، و(3) مقاعد للمستقلين.

2- انتخابات عام 2011:
تنافس في هذه الانتخابات (25) حزبًا سياسيًّا، بالإضافة إلى ائتلاف وتحالف، ورشح هؤلاء (16) مرشحًا رئاسيًّا، وكان أبرز المرشحين آنذاك، الرئيسة المنتهية ولايتها “إلين سيرليف”، و”ونستون توبمان” الذي اختار معه “واياه” كنائب للرئيس، وفازت “سيرليف” بالرئاسة للمرة الثانية على التوالي، وحققت هذه الانتخابات نسبة مشاركة مرتفعة وصلت إلى 71,33%.
وكانت النتائج في مجلس النواب، فوز حزب الرئيسة “سيرليف” “حزب الوحدة”، بالمركز الأول بأكثرية (24) مقعدًا، تلاه حزب “المؤتمر من أجل التغيير الديمقراطي” بـ(11) مقعدًا، وتلاهما “حزب الحرية” بـ (7) مقاعد، وتلاهم حزب “الاتحاد الوطني للتقدم الديمقراطي” بـ(6) مقاعد، وتلاهم ائتلاف “الائتلاف الوطني الديمقراطي” بـ(5) مقاعد، ثم توزع الـ(20) مقعدًا المتبقين، على (6) أحزاب أخرى، و(9) مستقلين، ما بين (3) مقاعد إلى (1) مقعد.

وفي مجلس الشيوخ، جرى التصويت على (15) مقعدًا للتجديد النصفي، ومن خلال النتائج احتل “حزب الوحدة” الصدارة بـ(10) مقاعد، تلاه “الحزب الوطني” بـ(6) مقاعد، تلاهما حزب “المؤتمر من أجل التغيير الديمقراطي” بـ(3) مقاعد، ثم حزبان حصل كل منهما على (2) مقعد، ثم حزبان حصل كل منهما على (1) مقعد، و(3) مقاعد للمستقلين.

3- انتخابات عام 2017:
تنافس في هذه الانتخابات (24) حزبًا سياسيًّا، بالإضافة إلى ائتلافين حزبيين، ورشح هؤلاء (20) مرشحًا رئاسيًّا، وبالطبع لم تترشح “سيرليف” لانتهاء ولايتيها المسموح بهما دستوريًّا، وكان أبرز المرشحين آنذاك، نائب الرئيس المنتهية ولايته “جوزيف بواكاي”، و”جورج واياه”، وفاز “واياه” بالرئاسة، وحققت هذه الانتخابات نسبة مشاركة مرتفعة وصلت إلى 75,19%.

وكانت النتائج في مجلس النواب، تقدم ائتلاف “واياه” “التحالف من أجل التغيير الديمقراطي”، إلى المركز الأول بأكثرية (21) مقعدًا، وتلاه “حزب الوحدة” في المركز الثاني بـ(20) مقعدًا، وتلاهما “حزب توحيد الشعب” بـ(5) مقاعد، ثم توزع الـ(27) مقعدًا المتبقين، على (9) أحزاب أخرى، و(13) مستقلين، ما بين (3) مقاعد إلى (1) مقعد، ولم يتعاصر موعد التجديد النصفي لمجلس الشيوخ مع انتخابات الرئاسة ومجلس النواب هذه المرة.

4- الانتخابات الأخيرة لعام 2023.
تنافس في هذه الانتخابات (26) حزبًا سياسيًّا، بالإضافة إلى (3) ائتلافات و(2) تحالف، ورشح هؤلاء (18) مرشحًا رئاسيًّا، بالإضافة إلى مرشحين مستقلين، وكان أبرز المرشحين الرئيس المنتهية ولايته الأولي “واياه”، و”جوزيف بواكاي”، وفاز “بواكاي” في جولة الإعادة بفارق ضئل جدًّا، وحققت هذه الانتخابات أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات الليبيرية حيث وصلت إلى 78,88%.

وكانت النتائج في مجلس النواب، استمرار ائتلاف “واياه” “التحالف من أجل التغيير الديمقراطي”، في المركز الأول بأكثرية (25) مقعدًا، وتلاه “حزب الوحدة” في المركز الثاني بـ(11) مقعدًا، وتلاهما ائتلاف “الأحزاب السياسية المتعاونة” بـ(6) مقاعد، وتلاهم حزب “حركة الديمقراطية وإعادة الإعمار” بـ(4) مقاعد، ثم توزع الـ(8) مقاعد المتبقين على (7) أحزاب أخرى، أحدها بـ(2) مقعد، والباقون بـ(1) مقعد، و(19) مستقلين.

وفي مجلس الشيوخ، جرى التصويت على (15) مقعدًا للتجديد النصفي، ومن خلال النتائج تقدم ائتلاف “واياه” “التحالف من أجل التغيير الديمقراطي”، إلى المركز الأول بأكثرية (9) مقاعد، وتلاه “حزب الوحدة” في المركز الثاني بـ(3) مقاعد، وتلاهما ائتلاف “الأحزاب السياسية المتعاونة” بـ(3) مقاعد، وتلاهم حزب “حركة الديمقراطية وإعادة الإعمار” بـ(2) مقاعد، ثم ثلاثة أحزاب كل منهم (1) مقعد، و(10) مقاعد للمستقلين.

ومن خلال نتائج هذه الانتخابات الأخيرة، نلاحظ أن صاحب منصب الرئاسة “واياه” خسر أمام منافسه “بواكاي”، وعلى الرغم من خسارة “واياه” للرئاسة، احتل حزبه وتحالفه المركز الأول في مجلسي النواب والشيوخ، وعلى الرغم من فوز “بواكاي” بالرئاسة، احتل حزبه المركز الثاني في مجلسي النواب والشيوخ، وبفارق كبير عن حزب وتحالف “واياه”.

ثالثًا: تقييم التجربة
تستند عملية التقييم الديمقراطي على الكثير من العناصر، غير أن أهمها، في تقديرنا، هو مدى التزام الأطراف السياسية بالمعايير الديمقراطية في العملية الانتخابية، ومدى توافق مخرجات العملية الانتخابية، مع شروط الديمقراطية. وفيما يلي اختبار هذين العنصرين:

1- العمليات الانتخابية والمعايير الديمقراطية
تشمل المعايير الديمقراطية للعمليات الانتخابية، كل ما يتحقق به حرية ونزاهة وشفافية العملية الانتخابية، بدءًا من تسجيل الناخبين، مرورًا بترشيح المرشحين، والتصويت والفرز والإحصاء، وإعلان النتائج، وتركز تقارير مراقبة الانتخابات، في الممارسة العملية، على اختبار هذه العناصر اختبارًا دقيقًا، في ضوء التأصيل النظري للمعايير الديمقراطية، وبمراجعة التقارير النهائية لمراقبة العمليات الانتخابية، لانتخابات الأعوام 2005م، و2011م، و2017م، والتقارير الأولية للانتخابات الأخيرة لعام 2023م، نجد أنها وعلى الرغم من رَصْد بعض الخروقات أو الانتهاكات الديمقراطية؛ إلا أن كل التقارير أجمعت، على أن هذه الخروقات أو الانتهاكات، غير مُؤثِّرة بدرجة كبيرة، ولا تنال من سلامة حرية الناخبين ونزاهة وشفافية العملية الانتخابية، ونجد أن الأطراف السياسية، دأبت على تنفيذ توصيات الجهات القائمة على مراقبة الانتخابات، ولو كان ذلك بصفة تدريجية بعد كل عملية انتخابية.

2- مُخرجات العمليات الانتخابية وشروط الديمقراطية
تُعبّر البيئة المصاحبة للعملية الانتخابية ونتائجها، عن مدى رضا الأطراف السياسية، عن سير العملية الانتخابية، وعن نتائجها، وبمراجعة تقارير مراقبة العمليات الانتخابية الأربع محل التقييم، نجد أنها جميعًا جرت في أجواء سلمية، وأنها خلت بدرجة كبيرة من العنف الانتخابي، مقارنةً بما شهدته البلاد من صراع سياسي مُسلّح، خلال المدة الطويلة (14 سنة) التي استغرقتها الحربان الأهليتان.

كما تُنبئ التأثيرات، التي تحدثها مخرجات العملية الانتخابية، في النظام السياسي، عن مدى توافق هذه المخرجات، مع شروط الديمقراطية. وفي تقديرنا يُعد تداول السلطة من أهم هذه الشروط، وبمراجعة نتائج العمليات الانتخابية الأربع محل التقييم، نجد أنها أدت إلى تداول السلطة مرتين؛ أولاهما حين انتقلت الرئاسة من صاحب المنصب “إلين سيرليف” مرشح “حزب الوحدة”، إلى “جورج واياه” مرشح حزب “المؤتمر من أجل التغيير الديمقراطي”، وائتلافه “التحالف من أجل التغيير الديمقراطي”، وثانيتهما حين انتقلت الرئاسة من صاحب المنصب “جورج واياه”، إلى مرشح “حزب الوحدة” “جوزيف بواكاي”، مع ملاحظة أنه وعلى الرغم من أن أيًّا من الأحزاب السياسية المتنافسة، لم يحقق الأغلبية المطلقة في مجلسي البرلمان، إلا أن أكبر حزبين تناوبا على تحقيق الأكثرية في مجلسي البرلمان.

شاهد أيضاً

تأثير غزة على مستقبل النفوذ الإيراني في سورية

سماهر الخطيب يبدو أنّ تاريخ السابع من أكتوبر 2023 أعاد خلط الأوراق في المنطقة وخلطت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *