Syrian army soldiers advance on an area in the northern Aleppo countryside on February 17, 2020. - In recent weeks, Syrian troops and allied forces backed by Russia have stepped up their offensive against rebel and jihadist groups in Idlib and the neighbouring province of Aleppo. They have already reconquered swathes of Idlib as well as key areas that have secured the crucial M5 highway connecting the country's four largest cities as well as the entire surroundings of Aleppo city for the first time since 2012. (Photo by - / AFP) (Photo by -/AFP via Getty Images)

تأثير غزة على مستقبل النفوذ الإيراني في سورية

سماهر الخطيب

يبدو أنّ تاريخ السابع من أكتوبر 2023 أعاد خلط الأوراق في المنطقة وخلطت معه الأدوار وتبعثرت الأهداف والرؤى الخارجية لسياسات الدول الكبرى في المنطقة وتلاقت بعضها في وتنافر بعضها الآخر ومع توحّد الجبهات لإسناد غزة تشرذمت جبهات أخرى وتموضعت قوى أخرى في المنطقة المشرقية. ففي سورية تبدلت الأدوار للأطراف الفاعلة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً فبينما كانت هذه الأطراف عبارة عن محورين محور التهدئة ومحور التصعيد بدلت دول المحور الأخير في مواضعها وباتت في أوائل محور التهدئة ومنها السعودية والإمارات وحتى تركيا أما إيران وروسيا فرغم أنهما شكلتا الحليف الأبرز لسورية منذ بداية العدوان عليها إلا أنّه لا شك بوجود مصالح متضاربة لكلا البلدين ليس على الأرض السورية فحسب بل على النفوذ الإقليمي باعتبار أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح لا العواطف

وكانت البداية بتبدل الموقفين السعودي والإمارتي وفتح السفارتين مع تعيين السفراء لينسحب إلى تبدل في الموقف التركي ورفع دعمه عن المسلحين في إدلب وقراره بضرب معاقل الأكراد المسلحين المناوئين للحكومة السورية والمتحالفين مع الولايات المتحدة الأميركية، وسعيه الحثيث لعودة العلاقات التركية – السورية إلى سابق عهدها وتصفير المشاكل مع الدول المجاورة في محاولة كسب مقعد في النظام الإقليمي الجديد..أما روسيا فحافظت على موقفها وموقعها ودعمت حضورها بدعم غزة في مجلس الأمن والجهود الحثيثة لاستحصال قرار وقف العدوان على غزة ودعمها لـ”حماس” في مواجهة العدوان الإسرائيلي ناهيك عن انتصاراتها المتتالية في كافة المحاور على الجبهة الأوكرانية..

وفيما يتعلق بإيران فيبدو أنّ التسوية الإقليمية انعكست على الدور الإيراني بتصدره المشهد الإقليمي خاصة مع دعمه لحماس السنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي وكذا دعمها لحزب الله اللباني في الجبهة الشمالية ودعمها للحوثي في الجبهة اليمنية وللمقاومة العراقية في الجبهة العراقية والمقاومة السورية والجيش العربي السوري في الجبهة السورية بصرف النظر عن القوميات والطوائف التي تنتمي إليها فصائل وقوى المقاومة التي تناصر غزة في حربها ضدّ إسرائيل ويبدو أنّ هذا السبب وراء الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية سواء في دمشق أو حلب أو حتى الساحل السوري لعجزها عن ضرب مواقع إيرانية داخل أراضي الجمهورية الإسلامية وليس عجزها فحسب بل إرادة أميركية بعدم نشوب حرب إقليمية فتوجهت نحو ضرب مواقع سورية تحت زعم أنها تأوي مقرات عسكرية إيرانية ورغم أنّ هناك من يقول ويزعم بأنّ إيران خسرت حلبة المنافسة مع روسيا وتركيا وأنها ستقوم بمساومة على سلاح حزب الله والحوثيين وسحب مستشاريها من سورية غير أنّ تلك المزاعم في خانة الأمنيات ولا تمت للواقع بأي صلة..

ويقول البعض أنّ إيران اعتمدت مقاربات مختلفة لزيادة حجم وجودها العسكري ونفوذها في سوريا تركزت على العمل مباشرة مع فصائل أجنبية، وتشكيل فصائل محلية موالية وضمّها إلى التشكيلات العسكرية التابعة للدولة السورية، وذلك لإعطائهم وضعاً شرعياً وتأمين مظلة واقية لهم من عمليات قصف إسرائيلية أو أمريكية محتملة.. ويذهب محللون إلى القول بأنّ قيادة الحرس الثوري اعتمدت استراتيجية متعددة الأهداف بعد الانتصارات العسكرية التي تلت معركة حلب، ونجاح الدولة السورية في استعادة سيطرتها على معظم الأراضي السورية، ووفق تلك الأقوال تركّز الهدف الأول فيها على التهيئة لإقامة وجود عسكري دائم “لقوة القدس” والفصائل التابعة لها وقضت الخطة الإيرانية وفق تلك المزاعم بإنشاء بنى تحتية أساسية تضم مراكز قيادات، ومجموعة من غرف العمليات وقواطع السيطرة المناطقية، ووحدات استطلاع وجمع المعلومات، وفوج للطائرات المسيّرة مع مدرج، ومخازن للأسلحة الثقيلة والصواريخ وغيرها من المنشآت اللوجستية. أما الهدف الثاني فتركَّز على إنشاء مصانع لتطوير الصواريخ وصيانتها، وقضت الخطة بتحويل عدد من هذه الصواريخ إلى صواريخ عالية الدقة وبعيدة المدى. وشمل الجزء الثالث من هذه الاستراتيجية بناء منشآت لتسهيل وصول وعبور الأسلحة الثقيلة والتموين والأشخاص إلى سوريا عبر الجو والبر، وذلك ببناء قاعدة لوجستية في مطار دمشق الدولي، وفي مطارات أخرى، بالإضافة إلى مخازن ومنشآت تموينية على الممر البري الكائن على الحدود العراقية-السورية في منطقة البو كمال.

وفي مقابل تلك الأهداف رأت “إسرائيل” أن دخول قوات “فيلق القدس” والفصائل التابعة له وحزب الله إلى مسرح العمليات السوري وانتشارها على مقربة من خط الفصل في منطقة الجولان يشكل تهديداً مباشراً لأمنها، وحددت مجموعة من المخاطر أبرزها:

– نشْر قوات إيرانية في سوريا بشكل دائم، وتحت قيادة “فيلق القدس”، يشكّل تهديداً مباشراً لأمنها.

– زيادة شحنات الصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى إلى حزب الله عبر سوريا، يشكل تهديداً كبيراً للأمن الإسرائيلي، وخصوصاً لمنشآتها الحيوية والدفاعية، وللمدن الإسرائيلية.

– تسعى إيران إلى تحويل قواتها والفصائل التابعة لها إلى قوات قادرة على خوض حرب برّية ضد القوات الإسرائيلية المتمركزة على جبهة الجولان وجنوب لبنان.

– سيطرة إيران على معبر “البوكمال” على الحدود السورية-العراقية تشكل تهديداً جديداً، حيث يسرّع عملية نقل الأسلحة الثقيلة براً إلى سوريا.

واتخذت المواجهة منذ بدايات عام 2018 حتى اليوم مساراً تصعيدياً خطيراً، إثر قيام إسرائيل برفع وتيرة هجماتها على القواعد والقوات الإيرانية وعمليات نقل الأسلحة لحزب الله اللبناني في مناطق مختلفة من سوريا، وتوسعت استراتيجية المواجهة لتبلغ إيران نفسها، وبدا هذا الأمر واضحاً من خلال التفجيرات في موقع “ناتنز” النووي في يوليو 2020، وكان نفتالي بينيت، قد تحدَّث عن اعتماد بلاده “عقيدة الأخطبوط” التي تتضمن شن هجوم ضد منشأة نووية ايرانية، إلى جانب التركيز على الحرس الثوري، وحزب الله والفصائل الأخرى، وهذا ما يُفسِّر توسيع إسرائيل لمسرح عملياتها في العام الماضي وصولاً إلى دير الزور والميادين والبوكمال. غير أنّ الهجمات الأخيرة تمثل تطوراً بارزاً في استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بعد “طوفان الأقصى” بتخليها عن “حرب الظل” والدخول في حرب مفتوحة مع إيران وذلك لخسارتها المدوية في غزة وخشية من أن يتمركز “فيلق القدس” وحزب الله والفصائل المقاومة في جنوب سورية وإمداد المقاومة الفلسطينية..

ولكن ورغم كل المحاولات والمساعي “الإسرائيلية” للتقليل من النفوذ الإيراني غير أنّه من اللافت جداً إصرار إيران على الحفاظ على وجودها وانتشارها الواسع في سوريا، فمن المؤكد أن إيران تُدرك أن الحفاظ على وجودها العسكري الراهن في سوريا سيكون باهظ الأثمان، سواء من ناحية العتاد والأرواح أو البنى الأساسية التي كلفت مليارات الدولارات ويفترض أن تعيد إيران تقييم استراتيجيتها في سوريا لتواجه بواقعية المتغيرات الإقليمية والدولية التي طرأت خلال العام المنصرم، بحيث تتوافق مع ضرورات المواجهة مع منافسيها وخصومها، وتفعّل عمليات التنسيق مع حلفائها، إذا كانت راغبة فعلياً في الحفاظ على وجودها في سوريا، وتعلَم القيادة الإيرانية أنّ انتشارها على جبهة واسعة تمتد من الخليج إلى سوريا لا يسمح لها بحشد ما يلزم من قوى عسكرية لخوض معركة متكافئة، سواء في سوريا أو على المستوى الإقليمي، مع ما سيترتب على ذلك من تداعيات في داخل إيران نفسها.

وفي إطار استشراف مستقبل الوجود العسكري الإيراني في سوريا، يمكن تصوّر السيناريوهات الآتية:

السيناريو الأول، يفترِض اتجاه إسرائيل إلى تكثيف هجماتها ضد القواعد والقوات الإيرانية والفصائل التابعة لها، فتُقرر إيران سحب “فيلق القدس” والإبقاء على عدد محدود من المستشارين، ووضع فصائلها في تصرُّف القيادة السورية وإشرافها.

السيناريو الثاني، يفترض التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة حول الاتفاق النووي، مع التوافق على دور جديد لإيران في المنطقة تلتزم فيه طهران بروزنامة زمنية لسحب “فيلق القدس” والفصائل المقاومة من سوريا، مع الحفاظ على استثماراتها الاقتصادية في هذا البلد.

السيناريو الثالث، وهو المرجّح وفيه ترفض إيران أية مساومة على وجودها في سوريا، وذلك انطلاقاً من التكاليف الباهظة التي دفعتها في الحرب، وتقرر ركوب مغامرة الإبقاء على وجودها العسكري، ومواجهة احتمال الدخول في حرب مفتوحة مع خصومها هناك، ولاسيما إسرائيل.

وفي الواقع، الأمر بات يرتبط بمسار الحرب في غزة، وعليه، يَتعيَّن انتظار نتائج ما ستؤول إليه لاستشراف طبيعة واتجاهات السلوك الإيراني تجاه دول المنطقة والتي تبدو واضحة المعالم مع فشل إسرائيل وانتصار قوى ودول المحور، مع ترجيح أن مستقبل الوجود الإيراني في سوريا لن يتقرَّر قبل التوصل إلى تسوية سياسية أوسع لكن مخاطر تحوُّل الحرب المباشرة والمحدودة بين إسرائيل وإيران إلى حرب إقليمية واسعة، تشارك فيها الولايات المتحدة، ستكون واردة ليس في الساحةالسوريةفحسب بل في عموم المنطقة..

شاهد أيضاً

غليان البحر الأحمر والصراع الدولي

“مخاطر المنطقة” دفعت بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى زيارة مصر بعد انقطاع حوالي 12 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *